الأسبوع العربيخاطرة

حين يُصبح الصمت شريكًا في الجريمة

حين يُصبح الصمت شريكًا في الجريمة

بقلم: خالد نعمان مراد

ليس أخطر على المجتمعات من لحظة تعتاد فيها الألم، وتتعلم التعايش مع القبح، وتُقنع نفسها أن ما تراه يوميًا من ظلم وفقر وانكسار هو “الطبيعي” الذي لا فكاك منه. في تلك اللحظة لا يسقط المجتمع فجأة، بل يبدأ في التآكل البطيء، كما يتآكل الجسد حين يفقد الإحساس بالألم، فلا يعود يصرخ، ولا يطلب علاجًا، بل ينتظر النهاية في صمت مهذب.

نعيش زمنًا تتكدس فيه المآسي في الزوايا المعتمة: وجوه شاحبة تحمل همّ الغد، عيون أطفال تعلمت القسوة قبل الحروف، وشباب أُغلقت في وجوههم أبواب الحلم حتى صار الطموح تهمة، والسؤال جريمة، والاختلاف مخاطرة. ومع ذلك، يمر المشهد كخبر عابر، أو منشور سريع، أو حديث ينتهي بعبارة باردة: ربنا يعوض، وكأن التعويض سيأتي من السماء وحدها دون فعلٍ من الأرض.

المشكلة لم تعد في قلة الموارد فقط، ولا في ضيق الفرص وحدها، بل في غياب الحس الجمعي. حين يفقد المجتمع قدرته على الغضب، يفقد قدرته على الإصلاح. وحين يُصبح الظلم خبرًا معتادًا، تتحول العدالة إلى رفاهية، ويغدو الحق استثناءً يحتاج إلى إذن، وتُختزل الكرامة في شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.

لقد نجحنا – دون أن نشعر – في تطبيع القسوة. صرنا نبرر الخطأ باسم الواقعية، ونُسوّغ الفساد باسم “الظروف”، ونطلب من المظلوم صبرًا أطول مما نطلب من الظالم تراجعًا. وهنا تكمن الكارثة الكبرى: أن يتحول الضحية إلى متهم، وأن يصبح الصمت فضيلة، والاعتراض تهورًا، والحياد موقفًا يُكافأ عليه صاحبه.

في مثل هذه المجتمعات، لا يُقتل الأمل دفعة واحدة، بل يُستنزف ببطء. يُستنزف حين يُقال للفقير إن فقره قدر لا يُناقش، وللعاطل إن عجزه كسل، وللمرأة إن صمتها ستر، وللشاب إن حلمه مغامرة غير محسوبة. ومع كل تبرير، تُضاف طبقة جديدة من العجز فوق الصدور، حتى يختنق الصوت قبل أن يولد.

والحقيقة التي نخشى مواجهتها أن المسؤولية لا تقع على عاتق السلطة وحدها، ولا تُختصر في قرارات رسمية أو بيانات منمّقة. المسؤولية تبدأ من الفرد، من موقف صغير، من رفض بسيط، من كلمة حق قيلت في وقتٍ صعب.

فالتغيير لا يولد من الصمت، بل من الوعي، ولا ينمو في الظلام، بل في المواجهة.
ليس المطلوب ثورة دائمة ولا صراخًا بلا بوصلة، بل ضميرًا حيًا لا يساوم، وذاكرة لا تنسى، ووجدانًا يرفض أن يُخدَّر. المطلوب أن نتوقف عن تبرير القبح، وأن نكفّ عن التعامل مع الظلم كأنه جزء ثابت من ديكور الحياة، لا يمكن تغييره ولا مساءلته.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع، هو أن ينجو أفراده فرادى بينما يغرق المجموع. فالنجاة الحقيقية ليست في الإفلات الشخصي، بل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الروح العامة. أن نترك هذا المكان أقل قسوة مما كان، وأقل ظلمًا مما وجدناه، وأكثر عدلًا مما اعتدناه.

لأن المجتمعات لا تموت حين يكثر فيها الأشرار فقط، بل حين يتقن الطيبون فن الصمت. وحين يصبح السكوت حكمة، والخوف عقلانية، والحياد بطولة، نكون قد دفعنا بأقدامنا أول خطوة في طريق الانهيار.

الخلاصة التي لا تحتمل التأجيل:

لا تطبع مع الظلم، لا تُهادن القسوة، ولا تُجمّل الخطأ. فالمجتمع الذي يستعيد غضبه الأخلاقي، يستعيد إنسانيته، والمجتمع الذي يرفع صوته بالحق، لا يحمي حاضره فقط، بل يصنع مستقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى